عدد كبير من الإيميلات التي تصلني تذهب إلى سلة المهلات فوراً رغم أنها تحلفني وتستحلفني أن أعيد إرسالها لكي تعم الفائدة وأنال الثواب،ومعظم هذه الإيميلات لها علاقة بشكل أو بآخر بالدين.
كما أن معظمها تحمل الكراهية والعنصرية والطائفية، والكثير من هذه الإيميلات تحمل معلومات لايمكن التأكد من صحتها وحتى في حال وجود طريقة للتحقق منها، فمن يهتم بالقيام بذلك؟ يكفي لمن يريد أن ينال الثواب أن يضغط على إعادة إرسال وبالتالي تتحقق رغبته.
مؤخراً وصلني إيميل يحمل مجموعة من الرسومات الجميلة -وهو طبعاً لاعلاقة له بالدين- ومعه سؤال: هل لك أن تتوقع من صاحب هذه الرسومات، لم أتعب تفكيري ونزلت إلى نهاية الصفحة لأقرأ بأنها لهتلر! فوجئت إذ لم يكن لدي معلومات عن أن هتلر كان رساماً قبل أن يقود حرباً أبادت ملايين البشر!
بعدها بعدة أيام وصلني إيميل آخرعن هتلر ولكن هذه المرة صدمت لفحوى الرسالة الطويلة و"الموثقة" بالصورعن علاقة هتلر بالإسلام، وصور له مع الشيخ أمين الحسيني في فلسطين، وعن مدى إعجابه بالحضارة الإسلامية، وعن اختياره لآية "اقتربت الساعة وانشق القمر"ليبدأ بها خطابه وهو متوجه إلى موسكو، وغير ذلك من كلام يدور عن ظلم التاريخ له، وعن ضرورة رد الاعتبار له وخاصة من قبل المسلمين، وبأنه لو انتصر لما كنا نعاني اليوم ولما وجدت القضية الفلسطينية من الأساس.
استغربت من هذا الموضوع وتساءلت عن الجهة التي تسعى إلى الربط بين المسلمين وهتلر وتحالفهم معه وخاصة في فلسطين، فأجريت بحثاً عن طريق غوغل عن علاقة هتلر بالإسلام لكي أعرف مصدر هذه الرسالة، فوجدت نفس المعلومات ونفس المقال تقريباً يتكرر في مجموعة من المواقع والمنتديات العربية.
كل هذا طبيعي، إذ أن مواقع الإنترنت تعج بآراء وأفكار مختلفة ومتناقضة ومتطرفة وكل فكرة مهما كانت سخيفة صحيحة أو غير صحيحة تجد لها مناصرين غير معروفة هويتهم، ولكنني صدمت عندما قادتني الروابط إلى موقع الجزيرة توك حيث قرأت مقالاً لأحد كتابها عبد الباقي صلاي بعنوان "أدولف هتلر المفترى عليه" -ونفس المقال على موقع جريدة الشرق القطرية- للوهلة الأولى ظننت أن الكاتب سيتناول موضوع الرسالة التي تلقيتها ويبين سخفها، ولكني كلما قرأت سطراً تبين لي العكس فهو يمجد رأي هتلر باليهود وضرورة إبادتهم ويربط بينه وبين فلسطين، إذ يقول:
" لقد كان موقف "أدولف هتلر" من اليهود الذين انتقم منهم بدافع ديني وصمم على تدمير المخططين لإقامة دولة في فلسطين والمحرقة اليهودية معروفة حيث قرر "هتلر" إبادة اليهود لأنهم خطر سيهدد العالم لا محالة"
هكذا إذاً فلنفرح ونهلل طالما أن هتلركان معجباً بالإسلام حسب كاتب المقال، إذ يقول:
"وهذا تدليل على أن الرجل كان يؤمن بأن الإسلام هو دين الحق، وهو دين التوحيد ودين القوة ودين العدل. وإيمانه بذلك جعله يعطي المقاتلين الألمان من المسلمين الحق بالصلاة ..."
ويدعو السيد كاتب المقال جميع المسلمين أن يعيدوا الاعتبار لهتلر ويرفعوا أياديهم بالتحية النازية، فيما على أشباه الرجال الذين تجرؤوا وانتقدوه أن يتبولوا في سراويلهم (والواضح أن الكاتب من الرجال الشجعان):
"في واقع الأمر والحال الزعيم الألماني "أدولف هتلر" شأنه شأن أي رجل مكافح، ظلمه التاريخ وافترى عليه الجناة... وإني مقتنع لو أن "أدولف هتلر" انتصر في الحرب الكونية الثانية لكان هناك أمر آخر، ولما تجرأ أشباه الرجال على الطعن فيه.....، بل قناعتي في الرجل تزداد بأن الطاعنين فيه سيتبولون في سراويلهم لو ينظر إليهم فقط، فضلا عن أن يكلمهم فلربما يموتون خوفا".
مجموعة من الأسئلة لاتزال تدور في رأسي بحثاً عن إجابة منطقية:
هل هي البداية لرفع الظلم عن مجرمي الحرب "المفترى عليهم"؟
ماهي الرسالة التي ترغب الجزيرة توك صاحبة شعار "إعلام ينبض شباباً" في إيصالها لشبابنا وشباب العالم الذين هم "جمهورها"؟
هل تريد إرساء معيار جديد لتقييم الأشخاص وذلك انطلاقاً من إعجابهم بالإسلام؟ بذلك يكون الأقربون أولى بالمعروف، وعلى الجزيرة رفع الظلم عن ابن لادن والزرقاوي أولاً قبل رفعه عن هتلر!!
ثم ما هو دور الجزيرة توك في نشر نظرية ليبرمان في الربط بين الفلسطينيين وهتلر لتمرير مخططه في بناء المستوطنات وتهويد القدس؟ حسب التقرير الذي بثته قناة روسيا اليوم.
هل تحاول الجزيرة أن تزاود على الإعلام العالمي بأن حرية التعبير لديها لاحدود لها، إذ يجرؤ كتابها على تناول موضوع يعتبر محرماً في دول العالم المتقدمة؟
فعلاً هكذا مقال على موقع يتبع أشهر قناة إخبارية في المنطقة العربية لغز يصعب إدراك الهدف منه أو قبوله!!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق