‏إظهار الرسائل ذات التسميات جرائم الإنترنت، قصة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات جرائم الإنترنت، قصة. إظهار كافة الرسائل

22‏/07‏/2013

كوابيس إنترنت

بقلم فاطمة نعناع
"إعلان للجادين فقط..
كاتبة عالمية، لاحدود لإبداعها وخيالها، تهوى ممارسة أفعال سادومازوشية جماعية..
اتصلوا بموقع "ميسك"، أو تفضلوا بزيارتي في المنزل مباشرة، على العنوان [عنوان المنزل الفعلي]، وسأكون جاهزة لتلقي مكالماتكم الهاتفية، ليلاً أو نهاراً، على الرقم [رقم الهاتف الحقيقي]، وأعدكم بأساليب لم تحلموا بها من قبل"!
لم يقصر الجادون، بالطبع، في الاستجابة لرغبة الكاتبة المبدعة، وانهالت عليها الاتصالات، من أماكن عديدة في العالم، ومن أشخاص لهم الاهتمامات ذاتها، على أمل تجربة ما وعدوا به.
ولكن، للأسف خابت آمالهم جميعاً، عندما أنكرت الكاتبة جين، التي ذيل الإعلان باسمها، علاقتها به، وفوجئت، بل صدمت وزوجها عندما قرأت إعلانها المزعوم، على موقع مخصص لمجموعة سادية/مازوشية، تدعو لطقوس جنسية غريبة.
منذ عدة أشهر، وأثناء تجولها في ردهات إنترنت، اكتشفت جين أن بعض دور النشر تمارس سرقة أعمال مؤلفين وكتاب، وتسوّقها لحسابها على الشبكة..
ولأن جين مؤلفة، فهي معنية بالأمر، ومن واجبها فضح هذه الوكالات، وتحذير الآخرين من الوقوع في شراك هؤلاء القراصنة. وسارعت، لهذا السبب، إلى إرسال تحذيرات بالبريد الإلكتروني، إلى عدد كبير من المؤلفين، لتكشف لهم الأمر.
وفي خطوة تالية، رفعت الموضوع إلى النائب العام في نيويورك، الذي استصدر قراراً بإغلاق إحدى هذه الوكالات، المعروفة باسم "الملكة"، بعدما تأكد من ممارساتها غير القانونية.
واعتقدت جين أن هذا الإجراء كفيل بردع الوكالات الأخرى، ووقفها عن متابعة أعمال السطو والاحتيال.
لكنها، اكتشفت أن "وكالة الآداب الفضية للنشر" تابعت أعمالها، غير عابئة بأحد.
عمدت جين، من جهتها، هذه المرة، إلى شن حملة ضد هذه الوكالة، مستخدمة في البداية منتدى إحدى مجموعات الأخبار المخصصة للكتاب، حيث أرسلت رسائل لتنبيه المؤلفين والكتاب، وتلقت منهم بالمقابل، مجموعة من الرسائل تؤكد أنهم كانوا فعلاً، ضحايا لهذه الوكالة.
وفي واحدة من رسائلها، قالت جين أنها سترفع الأمر إلى النائب العام في نيويورك، وهو معنيّ أصلاً بمنع هذه الدور من متابعة ما تقوم به من قرصنة.
ويبدو أن "وكالة الآداب الفضية" قرأت الرسالة، وأحست أن هذه الحملة، التي بدأتها الكاتبة جين، لابد أن تؤثر على أعمالها وربما وجودها..لابد إذاً، من حملها على إغلاق فمها!!!
صحيح أن جين كاتبة معروفة، ومدرسة في قسم الكمبيوتر في جامعة ماريلاند، لكن هذا لن يمنع الكثيرين من تصديق، أنها امرأة غير متزنة، ومهووسة، بل ولديها نوازع عدائية تجاه المجتمع بأسره، إذا ظهرت كتابات عديدة باسمها ضمن مجموعات الأخبار في إنترنت، تحمل أقسى الأوصاف بحق أعضائها، وإذا رافق ذلك وصول رسائل إلكترونية وقحة مذيلة باسمها، إلى أشخاص مرموقين.
وهذا ما حدث فعلاً، إذ ظهرت رسالة تصف أعضاء مجموعة "القهوة" بأنهم مجموعة مدمنين، لا قيمة لهم، ولا يقدمون شيئاً للمجتمع!!
ووصفت رسالة أخرى، أعضاء مجموعة شهيرة مختصة بأخبار العلوم، بأنهم حمقى، ولا يحق لهم الكلام!!
وأطلقت رسالة ثالثة على إحدى المجموعات التي تهتم بأنواع المسدسات، لقب القتلة والمجرمين!!
وحملت جميع تلك الرسائل اسم جين وعنوان بريدها الإلكتروني، بالطبع. وتلقت جين بالمقابل عدداً كبيراً من الردود من قراء غاضبين،لم تخل رسائل بعضهم، من الشتائم، والألفاظ القاسية والمهينة. ولم يسلم حتى زملائها في الجامعة من قذائفها الإلكترونية، عندما وصفتهم رسالة موقعة باسمها، بالتافهين والمجانين، ودعتهم إلى الاستقالة!!
هذه الرسائل الإلكترونية المزيفة، والمرسلة إلى كل تلك الجهات، باسم جين، والردود العنيفة التي تلقتها، بالإضافة إلى مئات الرسائل التافهة والمسيئة التي وصلت إليها عبر البريد الإلكتروني على شكل "قنابل إلكترونية" متنوعة، حملت إحداها كلمة واحدة (قاطع طريق) مكررة آلاف المرات، وحملت ثانية علامة استفهام ملأت صفحة كاملة، وحملت ثالثة عبارة "عام سعيد" تكرر فيها حرف "د" لعدة شاشات!! وغيرها الكثير.. ولا ننسى طبعاً، ذلك الإعلان المشين، وعشرات الاتصالات التي أقلقت حياتها ليلاً ونهاراً.. جعل هذا كله جين تعيش كابوساً ثقيلاً، هدد حياتها العائلية والمهنية على السواء.
قدرت جين أن وراء كل ذلك جهة، أرادت تهديدها وإخافتها، وخمنت، أن تلك الجهة، هي "وكالة الآداب الفضية للنشر"، بسبب فضحها لما تقوم به من سرقة لجهود المؤلفين. كان بإمكان جين تغيير بريدها الإلكتروني، ورقم هاتفها، لتتخلص من هذا الكابوس المدمر، لكنها، كمؤلفة عنيدة، فضلت القتال حتى الرمق الأخير.
لجأت بداية، إلى الكتّاب الذين وقعوا ضحايا لوكالة الآداب الفضية، كي يساعدوها في إثبات السطو والاحتيال الذي تعرضوا له. ثم اتصلت بعدد من مزودي خدمة إنترنت، في محاولة لتحديد مصدر الرسائل التي أرسلت باسمها، أو التي تسلمتها من جهات مجهولة، وأكد لها معظمهم، أن "وكالة الآداب الفضية للنشر"، هي مصدر تلك الرسائل.
ولذلك، رفع محاميها دعوى، ضد تلك الوكالة، يطالب فيها بعشرة ملايين دولار، تعويضاً لجين عما قامت به تلك الوكالة من تهديد لحياتها العائلية والمهنية، وكذلك تشويه سمعتها.
وفي سياق الدعوى، أكد المحامي أنه يمتلك أدلة صلبة، تدين الوكالة، وتكفي لجعل القضية قانونية.
وفي المقابل، أنكرت وكالة الآداب تلك التهمة، رغم أنها فشلت في الإجابة على الأسئلة التي وجهت إليها من قبل العاملين على موقع "سايبر كرايم"، المختص بالجرائم عبر الشبكة.
ربما يعتبر مبلغ عشرة ملايين دولار كبيراً جداً، بالنسبة للتهمة الموجهة للوكالة، لكن جين تصر على أن ذلك، سيجعل المضايقات عبر إنترنت جريمة يأخذها القانون بعين الجدية.
وتسعى جين، الآن، لتغيير النظام الذي فشل في حمايتها، حسب قولها. وشكلت جماعة عبر إنترنت، هدفها الضغط من أجل إصدار تشريع قانوني يجرم المضايقات والتهديد عبر الشبكة، ويجعل عقوبتها لا تقل عن ثلاث سنوات سجناً، و500 دولار غرامة مالية، كحد أدنى.
وتقود جين، أيضاً، حملة شعارها "أوقفوا جرائم إنترنت"، وفي كل يوم يزداد موقفها صلابة، وتكسب أصدقاء مساندين لها، آملة منع وقوع ضحايا آخرين، بعدما تكبدته من آلام ومعاناة كادت تقوض حياتها.

وكلمة أخيرة تقولها جين: "ربما خيل إليهم، أنهم إذا هددوني، ولكوني امرأة، سأتوارى في إحدى الزوايا، وأبكي، ثم أتوقف نهائياً عن استخدام الكمبيوتر"، مؤكد أنهم واهمون!!! 


11‏/12‏/2010

كمين على الشبكة

بقلم: فاطمة نعناع
تلك الليلة لم تتمكن اليزابيث من النوم.. كيف تنام بعد أن اعترفت لها ابنتها ذات الستة عشر عاماً أنها تعرضت قبل عامين لتحرشات من قبل ريتشارد؟!
كيف تنام وهي تشعر أن آثار هذا التحرشات، لا تزال باقية في نفس الفتاة، على الرغم من مضي هذه الفترة الطويلة؟!
كانت صدمة اليزابيث شديدة لأسباب عدة، فالمدعو ريتشارد في السادسة والأربعين من العمر، متزوج وله طفلان، والأدهى من ذلك أنه كان جاراً مقرباً لهم، وكانت العائلتان تتبادلان الزيارات في كثير من المناسبات، قبل أن يبدل سكنه وينتقل إلى حي آخر.
قضت اليزابيث الليل والغضب يلهب صدرها، وهي تفكر في طريقة تتمكن بها من النيل من ذاك السافل، والاقتصاص منه. ومع خيوط الفجر الأول،ى كانت قد توصلت إلى قرار برفع دعوى قضائية ضد المجرم لينال الجزاء الذي يستحق. وفي الصباح أبلغت ابنتها بما استقر عليه رأيها، لكن الفتاة رفضت بشدة، أن تشهد بواقعة التحرش، لشعورها بالخجل من إعلان مثل هذا الأمر على الملأ. وعلى الرغم من إصرار الأم على عدم ترك الأمر يمر بدون أن يأخذ المجرم عقابه، إلا أنها تفهمت مشاعر ابنتها، وبدأت تبحث عن طريقة أخرى تصل بها إلى هدفها المشروع.
ومن خلال استشارتها لبعض المقربين وكذلك أحد المحامين تأكدت أنه بدون دليل ملموس أو شهادة الفتاة، لا يمكن مقاضاة المتهم. وبما أن ابنتها لن تشهد، فمن أين لها الحصول على دليل؟
بدأت اليزابيث في جمع المعلومات عن حياة ريتشارد، علها تجد فيها ما يفيد قضيتها، ولم يكن الأمر صعباً، باعتبار أنه كان جاراً سابقاً للعائلة. وتبين لها من خلال المعلومات التي جمعتها أنه لا يزال يدير شركته العقارية الصغيرة، وأنه بدأ منذ عام باستخدام شبكة إنترنت في أعماله.
أفضت اليزابيث بسرها إلى صديقتها كاتي، التي تعمل في إحدى شركات الكمبيوتر، فأعجبت بحزمها وإصرارها على متابعة الموضوع، ثم قالت بحماس، أنها قد تستطيع مساعدتها، على نصب كمين لريتشارد على شبكة إنترنت.
ضمت اليزابيث كفيها بقوة وكانت كالغريق الذي يتعلق بقشة، والتفتت إلى صديقتها وعيونها تسبق لسانها في السؤال: لكن كيف؟!
أجابت كاتي: يستخدم العديد من الرجال المهووسين إنترنت كوسيلة للتغرير بصغار السن، وذلك من خلال غرف الدردشة (chatting rooms)، التي يتردد عليها المراهقون بنسبة عالية، ومن المحتمل أن نعثر على ريتشارد بينهم.
قلت اليزابيث: لدي بعض الخبرة بإنترنت، فأنا استخدمها للمراسلة، وأحياناً للتسوق. وجربت مرة الدخول إلى "غرف الدردشة"، لكنني وجدت أن معظم الموجودين فيها يستخدمون أسماءً وهمية، فكيف يمكننا اكتشافه، حتى إن كان موجوداً فيها؟
كاتي: معك حق، لكننا نستطيع معرفة عنوان الكمبيوتر (IP) لكل مشارك في الدردشة باستخدام أمر whois، أو أمر مشابه، حسب برنامج "الدردشة" المستخدم، فإذا عرفنا عنوان كمبيوتر ريتشارد، تكون أمامنا فرصة كبيرة لاكتشاف هويته.
اليزابيث: كيف لنا أن نعرف عنوان كمبيوتره؟
كاتي: ذكرت لي أنه يدير أعماله عن طريق إنترنت، ومن المرجح، لذلك، أن يملك خطاً خاصاً بإنترنت، وسيمكننا ذلك من اكتشاف عنوان كمبيوتره بسهوله. ألم يرسل لك، حديثاً، أي رسالة إلكترونية؟
اليزابيث: أجل، بعث لي رسالة تهنئة بمناسبة حلول العام الجديد، لكن ماذا يفيدنا ذلك؟
كاتي: افتحي بريدك الإلكتروني، وسوفت ترين الجواب بنفسك.
توجهت الصديقتان نحو الكمبيوتر، ثم فتحت اليزابيث برنامج البريد الإلكتروني الذي تستخدمه، وكان Outlook، وعرضت لصديقتها الرسالة التي تسلمتها من ريتشارد. نقرت كاتي بسرعة، على أمر Options، فظهرت على الشاشة تفصيلات جديدة عن مرسل الرسالة، بما في ذلك عنوان كمبيوتره (IP)، الذي بدا مشابهاً للعنوان (199.202.333.55). بادرت كاتي لتسجيل هذا العنوان على ورقة جانبية، ثم قالت: تستطيعي الآن، إن حالفك الحظ قليلاً، أن توقعي ريتشارد في كمين، لكن عليك أن تتحلي بالصبر.
أمضت اليزابيث ثلاث ليالٍ كاملة أمام شاشة الكمبيوتر تبحث في غرف الدردشة الشهيرة، المخصصة للصغار، عن عنوان كمبيوتر يطابق رقم كمبيوتر ريتشارد، وكانت تضع مؤشر الماوس على اسم كل مشارك، ثم تستخدم أمر whois للتعرف على عنوان كمبيوتره. وبدا لها الأمر كمن يبحث عن إبرة في كومة قش، ونال التعب من جسدها، وأجهد النظر المستمر إلى الشاشة عينيها، إلا أن اليأس لم يجد طريقه إليها.
وفجأة تسمرت عيناها على الشاشة ولمرات عدة، راحت تقارن الرقم، ولم تصدق أنها وجدت ضالتها في شخص أطلق على نفسه اسم "المحب" (lover).
أخذت نفساً عميقاً، وبدأت تعد العدة لنصب كمين للإيقاع بالمجرم.. عرَفت عن نفسها كفتاة في الخامسة عشرة من عمرها، شقراء الشعر، وتشكو الوحدة، وتبحث عن صديق يكرس جزءاً من وقته لها، ثم اقترحت عليه الانتقال إلى غرفة دردشة خاصة (private room)، بحيث يستطيعان الحديث، بدون تطفل الآخرين. وافق ريتشارد مباشرة، ومؤكد أنه كان على الطرف الآخر يفرك يديه ويمني نفسه بمتعة جديدة.
وتشعب الحديث بينهما، وكانت اليزابيث تحاول باستمرار مد خيوط الشبكة بنعومة، وتعمل على الإيحاء له أنها فتاة ساذجة يسهل التغرير بها.
وزاد سروره عندما بدأ يلمح لها ببعض العبارات الجنسية ولا يجد ممانعة لديها، بل كانت تتصنع الخجل، وتسترسك في الوقت ذاته، في حديث تشجعه من خلاله على الاستمرار.
وعندما عرض عليها اللقاء، تمنعت بداية مدعية الخوف كونها لا تعرفه جيداً، فبذل كل ما لديه من عبارات الود والحب، محملاً إياها كل الصدق الإنساني. وعندما كرر المحاولة، قبلت وأعطته موعداً في اليوم التالي. ولم تنس اليزابيث أن تحفظ كافة تفاصيل الدردشة باستخدام الأمر Save Buffer.
اتصلت اليزابيث، عقب ذلك، مع الشرطة المحلية وأطلعتهم على القصة كاملة وعلى الموعد الذي رتبته مع ريتشارد.
وكان اللقاء المفترض في اليوم التالي الساعة الخامسة مساء الأحد، ولكي لا تترك له مجالاً للشك، استعانت اليزابيث بابنة صديقتها ذات الأربعة عشر عاماً. وفي المكان المحدد، تقابل الاثنان وخلال دقائق، وبينما كان يفتح لها باب سيارته، قبضت الشرطة عليه لتقديمه للمحكمة، بتهمة التغرير بقاصر من الدرجة الثانية، لينال عقوبة السجن مدة عامين.



12‏/08‏/2010

الفضيحة

بقلم: فاطمة نعناع
في الصباح، وما أن يطلق المنبه رنينه الحاد، معلناً عن بداية يوم جديد، وداعياً إلى نفض غبار النوم عن العيون، حتى يسارع سنتياغو إلى كتم أنفاس المنبه بيد، وسحب الغطاء فوق رأسه باليد الأخرى، طلباً لدقائق إضافية من النوم.. لكن، عندما تطلق أمه تهديدها، بأنها ستغادر البيت خلال دقائق، يضطر إلى القفز من السرير صائحاً: ثوان وأكون جاهزاً..
اليوم على غير العادة لم تسمع الأم صوت المنبه، فتوجهت إلى غرفته مستفسرة عن سبب تأخره.. جاءها صوته واهناً من تحت الغطاء بأنه يشعر بالتعب ولا يرغب بالذهاب إلى المدرسة. غالباً لا تأخذ الأمهات مثل هذه الادعاءات على محمل الجد، وتفسرها بأنها إما نتيجة للكسل أو للتهرب من مشكلة ما.. ولكن ما جعل أم سنتياغو تهتم، أنها لم تعهد بابنها مثل هذا السلوك، فهو طالب متفوق، ولم يفقد حماسته للعلم يوماً، ولذلك سألته إن كان يرغب في الذهاب إلى الطبيب، فأجاب بالنفي، وأن ما يعانيه مجرد إعياء بسيط، وأنه يحتاج للراحة فقط..




في المساء عاد الأب، وفور وصوله توجه إلى غرفة ابنه ليطمئن على حالته، فوجده لا يزال في سريره. وعندما أبدى قلقه، فوجئ به يخبره بأنه قد فصل من المدرسة لمدة شهر!!
عندما تفصل مدرسة أحد طلابها المتفوقين، والمشهود لهم بحسن السلوك، لمدة شهر، وبدون إخبار أهله، فهذا يعني أنه قد اقترف ذنباً خطيراً!! لكن ما الذي اقترفه الشاب حتى يستحق مثل هذه العقوبة القاسية؟؟ هذا ما توجه به الأب نحو ابنه قبل أن يتوجه إلى المدرسة ليطلع على حقيقة الأمر..
منذ أن قدم الأب أنطونيو مهاجراً من هندوراس قبل أكثر من عشر سنوات، واستقر في ولاية فلوريدا الأمريكية، وهو يحاول تحسين ظروفه المعيشية. وعلى الرغم من الصعوبات التي كانت يمر بها في عمله كثيراً، إلا أن ذلك لم يمنعه من الاهتمام بأسرته، وخاصة متابعة أمور ولديه الدراسية. ومن جهته لم يقصّر سنتياغو، البالغ من العمر ستة عشرة عاماً، والطالب في الصف الثاني الثانوي، في دروسه، وسجل درجاته الممتازة، يؤهله للحصول على منحة من إحدى الجامعات الأمريكية. لكنه، منذ أن انتقل في بداية العام الحالي مع أسرته إلى ولاية هيوستن، والتحق بإحدى مدارسها الثانوية، وهو يعاني من مشاكل لا تنتهي، مما أقلق والديه، خوفاً على تدهور مستواه الدراسي، وبالتالي ضياع مستقبله كغيره من الشباب، الذين يجدون أنفسهم غارقين في مشاكل تحاصرهم وتقودهم إما إلى الانخراط في عصابات العنف والجريمة، أو الارتماء في أحضان المخدرات..
بدأت معاناة سنتياغو عندما وجد نفسه في مدرسة تحفل بكثير من المتناقضات، يكاد التعاون يكون معدوماً بين كل من الهيئة التدريسية والهيئة الإدارية، ربما بسبب ضعف المدير وتسليمه إدارة المدرسة للمشرف الإداري الذي يتعامل مع الطلاب بمكيالين. ففي الوقت الذي يتغاضى فيه عن كثير مما يقوم به بعض الطلاب من أفعال تصل إلى حد الإساءة لزملائهم أو حتى لمدرسيهم، لا يتوانى عن معاقبة البعض الآخر لأتفه الأسباب! تحكمه في ذلك معايير ذاتية وأهواء خاصة. وتلك المعايير نفسها تحكم علاقته بالمدرسين.
والمشكلة، أنه عندما يشتكي أحد الطلاب من سوء المعاملة، فإنه يتعرض للسخرية والإهانة، على يدي المشرف.
وجد سنتياغو صعوبة في التأقلم مع هذه الأجواء الفاسدة، ومراراً طلب من والده أن ينقله إلى مدرسة أخرى، لكن الأب كان يكرر على مسامعه، أن البداية في كل مكان غالباً ما تكون صعبة، وعليه الصبر، ويزيد عليه بقوله: أنت شاب ذكي وبالتالي بإمكانك اكتشاف الطريقة التي ستمكنك من التعامل مع الأمور مهما كانت صعبة.
كيف السبيل إلى ذلك وهو يشعر بأن ذكاءه يسبب له الإحراج؟ فلأنه متفوق جداً في مادة الرياضيات، كان يصطدم كثيراً مع مدرس غير كفء، يزعجه وجود طالب في الصف بهذه الدرجة من الذكاء، ويسبب له الإحراج أمام طلاب الصف!! واتهمه المشرف، لهذا السبب، أكثر من مرة بأنه يسعى إلى إثارة الشغب والفوضى، واستعراض مهاراته في الصف وتأليب الطلاب ضد مدرسيهم، مما سيضطره إلى اتخاذ الإجراءات الرادعة لوقفه عند حده..
على النقيض من ذلك، كان مدرس الكمبيوتر يمتدح مهاراته ويشجعه على الاستمرار، ولا يبخل بتقديم المساعدة له ولغيره من الطلاب في هذا المجال، وقد أعجب بالصفحة الشخصية التي أنشأها سنتياغو على شبكة إنترنت وحثه على تطويرها، وهذا ما حصل حتى أصبحت صفحته الشخصية منتدى لتبادل الرسائل بينه وبين زملائه الذين راحوا يتداولون بداية أمورهم الخاصة، ثم تطور الأمر وانتقلوا للتباحث بأمور المدرسة، وبدؤوا بطرح أسباب المشاكل التي يعانون منها في المدرسة، والأساليب الكفيلة بتخليص المدرسة من الحالة التي هي عليها. واقترح أحدهم إثارة الأمر في وسائل الإعلام، وعزا آخر سبب المشاكل إلى المشرف الذي اتهمه بأنه متواطئ مع مجموعة من الطلاب الذين يشكلون عصابة تفرض على زملائهم ما يريدون، حتى أنهم يفرضون غرامات مالية، ويتعرضون بالضرب لمن يخالف أوامرهم.. وتناول بعضهم، أيضاً، مشكلة ضعف أداء بعض المدرسين، وحتى المدير نفسه لم يسلم من انتقاداتهم.. وخلال فترة قصيرة ، شاع أمر الصفحة بعد أن اجتذبت بعض المهتمين بهذه المسائل من خارج المدرسة، وقد وصل أمرها إلى إدارة المدرسة، فقام المشرف بمتابعة ما يكتب لعدة أيام قبل أن يستدعي صاحب الصفحة، سنتياغو، ويعبر له عن انزعاج المدرسة من تناول أخبارها بشكل يؤدي إلى تشويه سمعتها، وأمره بإزالة كل ما يتعلق بشؤون المدرسة من الموقع فوراً، وإلا سيتخذ بحقه الإجراءات الإدارية التي تنص عليها لائحة النظام المدرسي!!
انصاع الطالب للأمر وقام بحذف جميع المواد المتعلقة بالمدرسة، وطلب من جميع زملائه عدم التعرض لمثل تلك القضايا. طبعاً خوفاً من تهديد المشرف له وحفاظاً على سجله نظيفاً من أي نقاط سوداء يمكن أن تؤثر على مستقبله.
وعمد المشرف إلى مراقبة الصفحة لفترة، ليتأكد من عدم وضع أي مواد تتعلق بالمدرسة، كما كلف سراً أحد الطلاب المقربين منه بمتابعة المراقبة..
لن يطول التزام سنتياغو بتعهده أمام المشرف، بعدم نشر أي مواد تسيء لسمعة المدرسة، لأن ما يقوم به المشرف لا يمكن السكوت عنه، خاصة بعد آخر مشكلة حدثت في المدرسة، والطريقة التي تعامل بها المشرف مع بعض الطلاب.
في الصباح الباكر قام أحد الطلاب بكتابة بعض العبارات البذيئة على جدران المدرسة، وفي داخل بعض الصفوف، كما لم ينج باب غرفة المشرف والمدير من تلك العبارات. عندما حضر المشرف وأحيط علماً بما جرى، أسرع إلى الصفوف التي كتبت العبارات داخلها، وأغلق أبوابها، وبدأ بتفتيش كل غرفة بدءاً من خزائن الطلاب، ثم راح يفتش الطلاب تفتيشاً دقيقاً، وبطريقة مهينة. وأثار حنق الطلاب، أيضاً، استثناء البعض من هذا التفتيش. وفوق هذا إهانته لبعض الطلاب، الذين افترض أنهم من قام بمثل هذا العمل، ولم يسلم سنتياغو من لسانه، مذكراً إياه بما تم تداوله في صفحته على الإنترنت.
وكان لهذا الحادث أثره في زيادة حقد الطلاب على المدرسة، ولم يجدوا مجالاً للتنفيس عن غضبهم سوى العودة إلى الكتابة، وبدأت تظهر دعوات لوضع حد لهذا الوضع، ولعدة أيام انشغل الطلاب بالحديث والنقاش، واتصل بعض الأهالي يسألون عن صحة ما يشاع عما يجري في المدرسة، فاستنكرت الإدارة ما يكتب، وادعت أنها أحاديث مراهقين!!
استدعي سنتياغو من قبل الإدارة، ووجهت له تهمة الإساءة المقصودة للمدرسة، وبما أن المدرسة قد نبهته قبل ذلك، وحذرته من تشويه سمعتها، فلابد من معاقبته وخاصة بعد عرض نماذج من العبارات التي سجلت في الموقع على مجلس إدارة المدرسة. ووافق مجلس إدارة المدرسة على فصل سنتياغو لمدة شهر بتهمة الإساءة للمدرسة، والتحريض على إثارة الفوضى والشغب فيها.
نتيجة لهذا القرار، سيضطر سنتياغو إلى إكمال بعض المواد التي لن يحضر امتحاناتها في الصيف، مما سيؤثر على معدل درجاته، وبالتالي على قبوله في الجامعة، وهو ما أثار نقمة والده، فتوجه إلى المدرسة طالباً إعادة النظر في هذا القرار المجحف بحق ابنه، وعندما رفضت المدرسة طلبه، لم يعد أمامه سوى رفع القضية إلى المحكمة، التي فتحت تحقيقاً فورياً شاملاً بالقضية، وبعد مداولات سريعة أقرت المحكمة ببطلان قرار فصل الطالب، وقضت بعودته إلى مدرسته. أما بشأن ما قدمته إدارة المدرسة من حجج استندت إليها في قرارها بفصل الطالب، فقد اعتبرتها المحكمة غير ذات قيمة لأن ما ورد على صفحات موقع سنتياغو، هو تعبير عن الرأي الذي يعتبر أحد الحريات التي كفلها الدستور للمواطن.
وكان لهذه الحادثة أن أثارت الانتباه إلى الأوضاع السيئة التي تعاني منها المدرسة، وعلى أثرها طلب من المشرف والمدير تقديم استقالتهما، وهذا ما كان..





06‏/08‏/2010

الدردشة القاتلة


بقلم: فاطمة نعناع
"ياله من صباح مشؤوم.. معاينة جثة في الخامسة صباحاً!"
همس المحقق رونالد لنفسه، وهو يضع سماعة الهاتف، ثم انتزع جسده بصعوبة من سريره الدافئ.. ارتدى ملابسه، وتوجه مسرعاً نحو موقع الجريمة. بدت الحادثة لرونالد غير عادية، فهو لم يواجه جريمة قتل منذ عشر سنوات، فمدينته وديعة، وسكانها مسالمون.
استقبله رجال الشرطة بوجوم، وأبلغوه أنهم حضروا إلى المكان، بعد أن تلقوا هاتفاً من مجهول، أخبر فيه عن وجود جثة بين الأشجار في المنطقة، ثم قادوه إلى مكان الجثة، التي كانت محزومة ضمن كيس، وعندما فحصها تبين له، أنها لشاب مقتول بالرصاص.
تعرّف المحقق على هوية الشاب: الاسم برايان، أعزب في الثلاثين من العمر، يقطن في ضاحية قريبة من موقع الجريمة. وعندما اقتحم منزله برفقة رجال الشرطة، وجد الكمبيوتر شغالاً، وزر المودم الأحمر يفصح أنه لا زال مفتوحاً على شبكة إنترنت. فتح المحقق صندوق الرسائل الإلكترونية الواردة لبرايان (Inbox)، فوجده مليئا بالرسائل. انتقل سريعاً إلى أحدث رسالة واردة، فوجد أنها وصلت الساعة الخامسة وعشر دقائق من مساء أول أمس.. فتحها وقرأ نصها: "أعتذر عن مرافقتك، اذهب بمفردك وسوف أتحدث إليك لاحقاً، لأعرف ما دار بينكما.. سارة".
اتجه المحقق على الفور، نحو الهاتف والتقط دفتر الهاتف الخاص ببرايان، وتفحصه فعثر على اسم سارة جونسون ورقم هاتفها، فاتصل بها، وبعد أن عرّفها بنفسه، طلب مقابلتها لأمر عاجل. ولم ينس، قبل أن يغادر المنزل، أن يحجز جهاز الكمبيوتر، بهدف متابعة التحقيق في محتوياته.
وفي تمام الساعة الخامسة مساء كان رونالد في منزل سارة. وعندما التقى بها سألها:
هل تعرفين برايان؟
أجابت على الفور: نعم، ولكن، هل أصابه مكروه؟
فأبلغها أنه وجد مقتولاً، وأن تعاونها معه، سيساهم في الكشف عن القاتل.
وبنبرات الأسى والحزن أبدت سارة استعدادها للمساعدة في كل ما تعرفه، فتابع المحقق يسألها:
متى التقيت به آخر مرة؟
_ قبل ثلاثة أيام.
وآخر مرة تحدثت إليه هاتفياً؟
_ حوالي الساعة الثالثة والنصف بعد ظهر أول أمس.
وهل تحدث هو إليك، بعد ذلك؟
_ لا.. اتصلت به مرتين، في اليوم ذاته ولم أجده، فأرسلت له رسالة عبر البريد الإلكتروني، أعتذر فيها عن موعد كان بيننا، ثم اتصلت البارحة عدة مرات بلا جدوى، وهذا ما أقلقني.
وهنا سألها المحقق:
كنت قد اعتذرت عن الذهاب معه إلى موعد معين، كما ورد في رسالتك، فما حقيقة الأمر؟
تنهدت سارة قائلة:
في الحقيقة، كنا على موعد لزيارة صديقنا داني، ولكنني، اعتذرت عن الذهاب بسبب شعوري بالإرهاق.
المحقق: لكن، يبدو واضحاً، أنه كان لديك فضول لمعرفة ما سيدور بينهما، فلماذا؟
أطرقت سارة قليلاً، ثم قالت: اهتمامي نابع من أنه كان اللقاء الأول بين داني وبرايان.
قال المحقق باستغراب: كيف؟ ألا يوجد معرفة سابقة بينهما؟
أجابت سارة: بل يعرفان بعضهما جيداً منذ حوالي الشهرين، من خلال غرف الدردشة في إنترنت، والتي كانت السبب الرئيسي في تعارفنا جميعاً. وقد أبدى داني حديثاً، رغبته في التعرف إلى برايان شخصياً، ودعاه إلى منزله.
المحقق: هل تعتقدين أن داني قتل برايان؟
سارة: أستبعد ذلك. فداني شخص لطيف، ولا أعرف سبباً يدفعه للقتل.
طلب المحقق من سارة عنوان داني، وحجز كمبيوترها، أيضاً، للتدقيق في محتوياته، ثم توجه مباشرة إلى منزل داني الذي لا يبعد كثيراً عن مكان اكتشاف الجثة.
عندما التقى المحقق بداني، سأله عن برايان، فأجاب أنه يعرفه من خلال غرف الدردشة عبر إنترنت، ولم يلتق به قط، في مكان آخر.
فقال المحقق: لكن لدي معلومات أنه زارك هنا في منزلك يوم مقتله، بناء على موعد حددته بنفسك عبر غرف الدردشة في إنترنت، وهذا ما أقرته صديقتك سارة.
اعترف داني بالموعد، ولكنه ادعى أن برايان تخلف عنه، بدون اعتذار.
وبتفتيش المنزل عثر المحقق على ثلاثة أجهزة كمبيوتر، فأمر بحجزها، للبحث فيها عما يفيد التحقيق في القضية.
ومن خلال البحث في أجهزة كمبيوتر داني، عثر المحقق على رسائل إلكترونية تشير إلى وجود علاقة عاطفية بين داني وسارة. وكشف البحث في كمبيوتري برايان وسارة، عن علاقة عاطفية، أيضاً، بينهما، وهذا ما دفع المحقق للشك، بأن الجريمة وقعت بسبب التنافس على سارة.
وأصبح لدى المحقق أسباب قوية للاعتقاد أن داني هو القاتل، ولكن كان ينقصه دليل مادي أو شاهد إثبات.
اتجه تفكيره للبحث عن الشخص الذي أبلغ الشرطة عن وجود الجثة، وبأنه لابد أن يكون على صلة قوية بداني.
فعاد إلى تحليل الرسائل الإلكترونية الخاصة بداني، واستعان بسارة، أيضاً، لمعرفة أكثر الأصدقاء قرباً منه، فتوصل إلى أنه سام، الذي انهار أثناء بالتحقيق معه، واعترف أن داني، أبلغه أثناء حديثهما في غرفة دردشة خاصة عبر إنترنت، أنه تورط بقتل برايان، وطلب منه المساعدة في نقل الجثة. واعترف، أيضاً، أنه ذهب فعلاً إلى منزل داني وساعده في نقلها، ورميها في الأحراش. لكنه بعد ذلك لم يستطع النوم فنزل إلى الشارع، وتوجه إلى أقرب هاتف عمومي، واتصل بالشرطة وأبلغهم بوجود الجثة، في المكان المحدد.
وعندما واجه المحقق داني بهذه الأدلة، لم يبق أمامه سوى الاعتراف، مبرراً فعلته بحبه لسارة، التي لم يحب سواها على الرغم من بلوغه الأربعين من عمره، وبأنه عندما اكتشف أن علاقة سارة ببرايان تطورت باتجاه عاطفي، قرر وضع حد لهذه العلاقة وذلك بدعوتهما معاً لمنزله، ودفع سارة لاتخاذ موقف واضح من كليهما. وكان واثقاً أن سارة تحبه ولن تتخلى عنه، وهذا ما توقع أن تعلنه أمام برايان. لكن عدم حضورها أصابه بالتوتر، ودفعه للطلب من برايان الابتعاد عن سارة، لأنه يفكر في الزواج منها. وقال أنه ما كان من برايان إلا أن سخر منه، وأسمعه كلاماً قاسياً، مشيراً إلى أن علاقته بسارة غير متكافئة كونه في عمر والدها، وبالتالي من الأفضل أن يبتعد هو عن طريقهما، ويبحث عن امرأة تناسب كهولته، مما أفقده توازنه ودفعه إلى إطلاق النار عليه.
قضت المحكمة بالسجن عشر سنوات على داني بتهمة القتل غير العمد، وحكمت، أيضاً، بالسجن سنة واحدة على صديقه سام، لمساعدته في إخفاء معالم الجريمة.



ظلال على الثلج

وكأنني أحمل حيواناً اصطدته على الثلج في الهاي بارك تورون