04‏/10‏/2010

طرق بدائية للتملص من أعين الرقيب!!


كلما قمت بحملة نفض الغبار وتعزيل الخزائن العلوية التي تحوي أشياء أحتفظ بها من سنين بعيدة ومن شبه المؤكد أنني لن أحتاجها يوماً،أفكر برميها أو توزيعها وفي كل مرة أعيدها إلى مكانها قائلة لنفسي في المرة القادمة.
فوجئت بكتاب موجود بين مجموعة من الثياب والألعاب، لم أتذكر في البداية لماذا هو هنا أصلاً، أو متى وضعته؟ وعندما قرأت الغلاف الخلفي بدأت تتضح الصورة، ثم كالعادة نسيت التنظيف ورحت أتصفح محتوياته!
الكتاب هو رواية "سرنامة وقائع احتفال رسمي" للكاتب التركي عزيز نسين.
تعرفت على عزيز نسين ككاتب ساخر وأعجبت به، ولكن عندما قرأت له هذه الرواية صدمتني قسوتها. يتناول نسين في هذه الرواية السجن كمؤسسة عقابية ويصوره مكاناً للفساد والشذوذ والجريمة، ويعري من خلاله واقع المؤسسات الحكومية المعادية للحرية وحقوق الإنسان.
ولكن ماذا تفعل هذه الرواية في هذا المكان بعيداً عن إخوتها ورفيقاتها؟؟
إنها الرقابة!! عندما قرأتها وجدت أنها غير مناسبة لابنتي -التي شاركتني في قراءة بعض قصصه القصيرة- لتقرأها فأخفيتها قبل أن تراها، وبما أن لدي خبرة مع الرقابة الأبوية فقد أخفيتها بعناية في مكان لاتستطيع أن تصل إليه (أو هكذا أظن)، ونسيتها.
عندما كنت في الثالثة عشرة كان في بيتنا بعض الكتب المرمية في عدة أماكن من البيت، منها قصص لنجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس ومجموعة كبيرة لجرجي زيدان وكتب ابن عربي وغيرهم، وبحكم عدم وجود أي نشاط يمكن أن أقوم به – أو ربما مسموح به- جاءت الكتب كمنقذ لي في الصيف.
جذبني غلاف وعنوان رواية "شفتاه" لإحسان عبد القدوس، فبدأت بقراءتها وأنا ممددة على الصوفا في غرفة القعدة، يبدو أن انغماسي في القراءة لدرجة بقيت فيها مسترخية أثناء دخول والدي الغرفة أثارت في نفسه الشك، فسألني: ماذا تقرأين؟ قلت بلا اهتمام: قصة! سحبها من يدي وقلب صفحاتها، ثم أعلن فرماناً يقضي بأنه ممنوع علي قراءة مثل هذه القصص!!
لم أفهم ماذا يعني بهذه القصص، ولم يكلف نفسه أن يشرح! في اليوم الثاني سطوت على خزانة ملابسه وسحبت القصة وأنهيت قراءتها قبل عودته من الشغل، وعلى إثرها قررت أن أقرأ جميع قصص هذا الكاتب الممنوع، وهكذا قرأت كل ما وقع تحت يدي له. مثل أنا حرة، شيء في صدري، لا أنام، في بيتنا رجل، النظارة السوداء، وغيرها كثير.
تعلمت أن أستأجر قصصاً من مخزن للكتب المستعملة في حلب وأقبلت أقرأ كل شيء يمكن أن أحصل عليه في الصيف والشتاء، أحياناً وعند توفر ليرات قليلة كنت أشتري بعض الكتب التي تعجبني وأرغب بالاحتفاظ بها لإعادة قراءتها.
وللتخلص من أعين الرقيب كنت أغلف الكتب بورق نستخدمه عادة لتجليد الكتب المدرسية، وإمعاناً في التمويه أضع عليه بطاقة كتب عليها أنه كتاب تاريخ أو جغرافية أو دين وأمسك بيدي قلم رصاص على أساس أنني أدرس، هكذا ولسنوات قرأت كل ما يخطر أو لايخطر على البال، وكثير من الكتب لم أفهم منها شيئاً والبعض منها سبب لي أرقاً منعني من النوم لأيام من كثرة التفكير.
اليوم وبعد سنين طويلة أطلق سراح سرنامة عزيز نسين وأعيدها إلى مكانها، ولست متأكدة إن كنت نجحت في مسعاي أم أن "تياما" طورت وسائل أكثر ذكاء في تخطي الرقابة؟!





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ظلال على الثلج

وكأنني أحمل حيواناً اصطدته على الثلج في الهاي بارك تورون